محمود بن حمزة الكرماني

38

اسرار التكرار في القرآن

الإجماع قد انعقد على إضافة الإعجاز إلى القرآن . ويلزم من القول بالصرفة زوال الإعجاز بزوال زمان التحدي ، وخلو القرآن من الإعجاز ، وفي ذلك خرق لإجماع الأمة على استمرار معجزة القرآن للرسول صلى اللّه عليه وسلم بعد عصره » . وقال القاضي أبو بكر الباقلاني : « ومما يبطل القول بالصرفة : أنه لو كانت المعارضة ممكنة ، وإنما منع منها الصرفة ، لم يكن الكلام معجزا ، وإنما يكون بالمنع معجزا فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه ، وليس هذا بأعجب من قول بعضهم : أن الكل قادرون على الإتيان بمثله ، وإنما تأخروا عنه لعدم العلم بوجوه ترتيب أو تعلموه لو صلوا إليه به ، ولا بأعجب من قول آخرين : إن العجز وقع منهم ، وأما من بعدهم ففي قدرته الإتيان بمثله » . أما الجاحظ فقد فضح أستاذه إبراهيم النظام فقال : « بعث اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم أكثرا ما كانت العرب شاعرا وخطيبا ، وأحكم ما كانت لغة ، وأشد ما كانت عدة . . وهو في ذلك يحتج عليهم بالقرآن ، ويدعوهم صباحا ومساء إلى أن يعارضوه إن كان كاذبا بسورة واحدة ، أو بآيات يسيرة ، فكلما ازداد تحديا لهم بهم ، وتقريعا لعجزهم عنها ، تكشف من نقصهم ما كان مستورا ، وظهر منه ما كان خفيّا ، فحين لم يجدوا حيلة ولا حجة قالوا : أنت تعرف من أخبار الأمم ما لا نعرف . قال : فهاتوها مفتريات . فلم يرم ذلك خطيب ، ولا طمع فيه شاعر . . فدل ذلك العاقل على عجز القوم مع كثرة كلامهم ، وكثرة شعرائهم ، وكثرة من هجاه منهم ، وعارض شعراء أصحابه ، وخطباء أمته ، لأن سورة واحدة ، أو آيات يسيرة ، كانت أنقض لقوله ، وأفسد لأمره ، وأبلغ في تكذيبه ، وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس ، والخروج من الأوطان ، وإنفاق الأموال ، وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات . . . » .